أبو علي سينا
38
القانون في الطب ( طبع بيروت )
قال " جالينوس " ، ولم يصب من زعم أن الخلط الطبيعي هو الدم لا غير وسائر الأخلاط فضول لا يحتاج إليها البتّة ، وذلك لأن الدم لو كان وحده هو الخلط الذي يغذو الأعضاء لتشابهت في الأمزجة والقوام ، ولما كان العظم أصلب من اللحم إلا ودَمُهُ دَم مازَجَهُ جوهر صلب سوداوي ، ولما كان الدماغ ألين منه إلا وإن دمه دم مازجه جوهر ليّن بلغمي ، والدم نفسه تجده مخالطاً لسائر الأخلاط فينفصل عنها عند إخراجه وتقريره في الإناء بين يدي الحسّ إلى جزء كالرغوة هو الصفراء ، وجزء كبياض البيض هو البلغم ، وجزء كالثفل والعكر هو والسوداء ، وجزء مائي هو المائية التي يندفع فضلها في البول ، والمائية ليست من الأخلاط ، لأن المائية هي من المشروب الذي لا يغذو وإنما الحاجة إليها لترقق الغذاء وتنفذه وأما الخلط فهو من المأكول والمشروب الغاذي ومعنى قولنا غادّ ، أي هو بالقوة شبيه بالبدن والذي هو بالقوة شبيه بدن الإنسان هو جسم ممتزج لا بسيط ، والماء هو بسيط ، ومن الناس من يظن أن قوة البدن تابعة لكثرة الدم ، وضعفه تابع لقلته ، وليس كذلك بل المعتبر حال رزء البدن منه أي حال صلاحه ومن الناس من يظن أن الأخلاط إذا زادت أو نقصت بعد أن تكون على النسبة التي يقتضيها بدن الإنسان في مقادير بعضها عند بعض ، فإن الصحة محفوظة وليس كذلك ، بل يجب أن يكون لكل واحد من الأخلاط مع ذلك تقدير في الكم محفوظ ليس بالقياس إلى خلط آخر ، بل في نفسه مع حفظ التقدير الذي بالقياس إلى غيره . وقد بقي في أمور الأخلاط مباحث ليست تليق بالأطباء أن يبحثوا فيها ، إذ ليست من صناعتهم بل بالحكماء فأعرضنا عنها . الفصل الثاني كيفية تولد الأخلاط فاعلم أن الغذاء له انهضام إما بالمضغ ، وذلك بسبب أن سطح الفم متصل بسطح المعدة ، بل كأنّهما سطح واحد ، وفيه منه قوة هاضمة ، فإذا لاقى الممضوغ أحاله إحالة ما ، ويعينه على ذلك الريق المستفيد بالنضج الواقع فيه حرارة غريزية ، ولذلك ما كانت الحنطة الممضوغة تفعل من إنضاج الدماميل والخراجات ما لا تفعله المدقوقة بالماء والمطبوخة فيه . قالوا : والدليل على أن الممضوغ قد بدا فيه شيء من النضج أنه لا يوجد فيه الطعم الأول ، ولا رائحته الأولى ، ثم إذا ورد على المعدة ، انهضم الانهضام التام لا بحرارة المعدة وحدها بل بحرارة ما يطيف بها أيضاً أما من ذات اليمين فالكبد ، وأما من ذات اليسار الطحال ، فإن الطحال قد يسخن لا بجوهره بل بالشرايين والأوردة الكثيرة التي فيه ، وأما من قدام فبالثرب الشخمي القابل للحرارة سريعاً بسبب الشحم المؤدّيها إلى المعدة ، وإما من فوق فالقلب يتوسط تسخينه للحجاب ، فإذا انهضم الغذاء أوّلًا صار بذاته . في كثير من الحيوان ، وبمعونة ما يخالطه من المشروب في أكثرها كيلوساً وهو جوهر سيال شبيه ، بماء الكشك الثخين ، أو ماء الشعير ملاسة وبياضاً ، ثم إنه بعد ذلك ينجذب لطيفه من المعدة ومن الأمعاء أيضا ، فيندفع من طريق العروة المسماة ماساريقا ، وهي عروق دقاق صلاب متصلة بالأمعاء كلها ، فإذا اندفع فيها صار إلى